12/5/2008م - am 01:18 اعتمدنا في هذه الدراسة خصوص الجزء الأول من سلسلة خطابات المرحلة الصادر بعنوان (ملامح من تأريخ وخطاب القيادة في العراق الجديد) الذي ينتهي عند (خطاب المرحلة 67) لذا اقتضى التنويه .
مقدمة لابد منها
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد الأمين وآله الهداة الميامين وجميع الأنبياء والمرسلين
يحاول كثير من المفكرين والكتاب الإسلاميين الإجابة عن تساؤل يشغل أذهانهم، ويكدر واحة تطلعاتهم في بناء مجتمع مسلم قوي ومتحضر يسوده الصفاء والألفة، ويكتنف كل عوامل القوة والخلود، على غرار المجتمع الذي كان يحيط بالنبي القائد محمد في صدر الإسلام، فيطرحونه بالشكل التالي: ما سبب تخلف المسلمين ؟؟!!
وإذا كان هؤلاء قد أجابوا – أو حاولوا الإجابة – بعدة أمور فرعية جانبية تمس الحقيقة من طرف.. فقد تناسوا الأصل الذي تدور حوله كل تلك الفروع، ويشكل قطب الرحى في عملية صياغة المجتمع المسلم العالمي المأمول .. ألا وهو : معرفة وتشخيص القيادة الأصيلة وإطاعتها واتباعها .
قال تعالى : ((محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود))(1)
فأهم العوامل التي أدت الى انحطاط المسلمين، وأول درجات سلم تخلفهم وابتعادهم عن أمجادهم السالفة هي انفضاضهم عن تلك القيادة الواعية بعد موت النبي القائد وقبل أن يوارى الثرى، بالرغم من كل الجهود التي بذلها لتعريفهم بها وإلزامهم بإطاعتها .
وربما يظن الظان أن القيادة عندما عادت ليتسلمها صاحبها الشرعي بعد موت الخليفة الثالث قد أعادت المياه الى مجاريها من جديد .. إلا إن المتابع لأحداث تلك الفترة من الزمن يجد أن قيادة أمير المؤمنين لم تكن لتحظى بالاعتراف الواقعي المتمثل بالطاعة في نفوس أكثر من ادعى التشيع له فضلاً عمن خالفه علانية .. حتى نسمعه يوبخهم قائلاً : ((يا أشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الأطفال، وعقول ربّات الحجال، لوددتُ أني لم أركم ولم أعرفكم، معرفةً – والله – جرّت ندماً وأعقبت سدماً، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيضاً، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان والخذلان))(2) .
إن مشكلة الأمة – كما يبينها أمير المؤمنين في عصيان القائد الفعلي – هي تلك العقول الساذجة الصبيانية التي لم تصل حد الكمال والتي يحملها أفرادها وتأبى أن تنفتح على الحقيقة وتتعامل معها بصدق وجد ورجولة .. وهذه سنة جارية في الخلق جيلاً بعد جيل .. تجاهل القيادة ، أو معرفتها دون إطاعتها والتعامل معها بعقل ساذج ، حتى ينتهي الأمر بالضلال والانحراف والتخلف عن الخط المحمدي الأصيل .. ولا يمر جيل من الأجيال حتى يستعاد المشهد فيركس المسلمون أكثر وأكثر في التخلف والانحراف .
يقول سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) في ((خطاب المرحلة 66)) : ((التذكير وإلفات النظر الى القيادة الحقيقية للأمة التي أمر الله تبارك وتعالى باتباعها (وجعل إمامتنا نظاماً للملة) فالإمامة والقيادة الشرعية للأئمة المعصومين وامتدادهم من الفقهاء العدول الجامعين للشرائط هو الحصن الذي يحمي الأمة من التفكك ، وما تشتت الأمة وما تمزقت إلا حين أعرضت عن قيادتها الحقيقية)).
ونحن اليوم أمام قائد جديد، وعودة لنفس السنة المتكررة : قائد بذل ويبذل كل جهده وحياته من أجل بناء الإسلام وإنشاء مجتمع مؤمن رسالي واعٍ مؤهل لحمل الرسالة ونشر العدل في أرجاء العالم ، وسنة في إهماله أو عصيانه أو عدم فهمه .
وحتى لا نكون كغيرنا ممن لا يشيد بمواقف العظماء إلا بعد فقدانهم، قمنا بهذه الدراسة المتواضعة عن قائدٍ لا زال رغم كل ما ذكرنا من معوقات ماضياً في طريق البناء، رافعاً شعاره الذي يبعث الأمل المتجدد في النفوس : ((ما كانَ للهِ ينمو!!)).
لقد كتب العديد من الأخوة المؤمنين عن شخصية سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله)، وبيان أحقيته بالقيادة والاتباع ودفع بعض الشبهات التي أثيرت حول مرجعيته، ولم يكن ذاك إلا بدافع الحرص على الأمة من التخبط والضياع.. ولكن جلَّ ما كتب عن سماحته كان بأمور خارجة عن شخصيته وآثاره.. أي باعتماد أقوال الآخرين فيه ، فكانت الحاجة ماسة الى دراسة شخصية هذا القائد الفذ من الداخل – إن صح التعبير -
ولأن الإحاطة بالبحر الخضم غير ممكنة للنهر الصغير ؛ لذا ارتأيت أن أتعرض – بقدر فهمي – لدراسة جانب من استراتيجية عمله الحكيمة من خلال ((خطاب المرحلة)) حصراً، والذي يمثل منظومة عمل متكاملة لا بد من إعادة قراءتها حيناً بعد آخر، وكان سماحته يوجهه الى الأمة بشكل مرحلي لتتمكن من استيعاب تفاصيله على مكث ، على غرار الخطاب القرآني العظيم : (وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) (3) ، وبيان أهم عنصر في فلسفته – على حد فهمي القاصر – وهو عنصر ((البناء)) بكل أشكاله وآلياته على مستوى النظرية والتطبيق ، وما يتشعب عنه.. لعلي بذلك أرفع عن كاهلي جزءاً من التقصير الذي أشعر به تجاه قيادته الفاعلة التي لولاها ما بلغ الحال في العراق ما بلغه من إنجازات على جميع الأصعدة لا سيما السياسية منها ، والتي لا نزال الى الآن – وسنبقى – نجني ثمارها الطيبة .
لقد اخترت جزءاً من ((خطاب المرحلة)) حصراً، وأنا أعلم أن الانفتاح على كتب سماحة الشيخ ومشاريعه العملاقة تعطي الفرد صورة كاملة ومترابطة عن مشروعه النهضوي المبارك، إلا أن القارئ سوف يجد لي العذر فعلاً إذا ما تطلع في تلك القنوات العديدة ، لأنه سيجد أن الدائرة ستتوسع وتتوسع ولا يمكن الإحاطة بها.. هذا مع شدة ما يعانيه الكاتب من تبلبل الحال وكثرة الأسقام والأشغال. ولكن حسبي أني سأشير الى هذا الجزء من البناء وأعطي طرف الخيط، وعلى القراء الواعين التوصل الى باقي الحلقات قياساً على ما سأذكر .
إن المتطلع والباحث في ((خطاب المرحلة)) يلمح فيه كل ميزات القيادة الإسلامية الصحيحة والناجحة متجسدة في فكر وسلوك ذلك الرجل - بحيث لا يدانيه سواه فيها - والتي سنذكرها في محلها من الدراسة إن شاء الله تعالى عند التعرض لمواصفات القيادة الناجحة على وجه العموم .. إلا إننا إذا أمعنا النظر وتعمقنا في دراسة هذا ((الخطاب)) وقعت أنظارنا على ميزات من نوع خاص لا نجدها في القيادات الأخرى تفردت بها شخصيته القيادية ، فأضفت على خطابه مع الجماهير لون من الجاذبية والدفء. ولعل أهم تلك الميزات ثمان، هي:
1. الحنكة والعمق في تحليل الحوادث وطرحها بشكل نقاط وإيصالها بيسر الى الأمة لتستفيد منها: فمثلاً.. نجد في خطابه حول ((الاستماع الى الأخبار في وقت الأزمات)) أن سماحته قد راح يحلل أسباب كثافة بث الأخبار في تلك الأوقات في خمس نقاط ساقها بيسر الى الأمة ليكشف بها عن السياسة العدوانية والخادعة للدول المستكبرة المسيطرة على جميع تلك القنوات تجاه الشعوب لاستعبادها وتسيير الرأي العام بالاتجاه الذي يخدم مصالحها، ثم عاد سماحته ليثقف الأمة من خلال ثمان نقاط سهلة الفهم والتطبيق بطرق الاستفادة من نشرات الأخبار بشكل واعٍ ومثمر وبنّاء . (وانظر على سبيل المثال خطاب المرحلة: 2، 3، 5، 6، 11، 17، 43، 48، 64 ،...).
2. النظرة الشمولية والمستقبلية للأحداث ورصد كل جديد، ووضع الآليات المناسبة في وقت مبكر: فمثلاً.. نجد في ((خطاب المرحلة 13 )) أن سماحته قد وضع مشروعاً سياسياً للفترة الانتقالية وقدمه على طبق من ذهب لمجلس الحكم لإخراج العراق من الأزمة السياسية ، إلا أن سلطة الاحتلال قد أهملته ، ثم بعد عام كامل وبعد فشل العملية السياسية عادت سلطة الاحتلال والحكومة المؤقتة التي شكلها مجلس الحكم الى هذا المشروع وشكلت الجمعية التأسيسية بنفس خطته ، وكان بالإمكان تجنب كل نلك الخسائر لو أخذت به منذ البداية. (وانظر على سبيل المثال خطاب المرحلة : 1، 3، 4، 6، 7، 9، 12، 14، 17، 18، 37، 39، 38، 40، 44، 46، 49، 51، 53، 62، 64،....).
3. الاهتمام بجميع شرائح المجتمع والتصدي لحل مشاكلهم مباشرة ودون وسيط: فمثلاً نجد في ((خطاب المرحلة 64 )) أن سماحته قد وجه خطابه الى رؤساء الجامعات العراقية وأساتذتها ، ليكشف عن أحد المشاكل التي أظهرها ما حدث لأساتذة الجامعات المصرية حيث راح يرمى هو وكتبه وأثاثه خارج الجامعة بمجرد صدور قرار ترقين قيده ، وبين سماحته العلة الكامنة من وراء ذلك ملفتاً أنظارهم الى أن العلم وحده لا يكفي للوصول الى التحضر بل لا بد من ضم الأخلاق إليه واضعاً بذلك العلاج المبكر، كيلا تصل الجامعات العراقية الى هذا الحال السيئ ، ثم راح سماحته يكشف عن المشاكل التي تحيط بالطلبة على جميع الأصعدة مع وضع الحلول الناجعة لكل نوع منها. (وانظر على سبيل المثال خطاب المرحلة: 9، 12، 16، 19، 34، 40، 45، 46، 56، 57، 58، 59، 62،...).
4. الاهتمام بكل موقف إيجابي مهما كان صغيراً صدر من قبل أي شخص أو مجموعة، ومحاولة الإشادة به ودعمه معنوياً لرفع همة صاحبه : فمثلاً .. نجد في ((خطاب المرحلة 23 )) أن سماحته يلتفت الى موقف حدث من قبل سيدة عراقية تعمل موظفة في وزارة النفط حيث رفضت تفتيش الأمريكان لحقيبتها بواسطة الكلاب البوليسية وتحملت العقوبة التي عرضوها لها ؛ لأن تلك الحقيبة احتوت على نسخة من المصحف الكريم ، ليشيد بموقفها وينعتها بـالموظفة الشريفة الغيورة ، وصاحبة الإباء والشمم والوقفة الشجاعة ويشد على يديها ويضم صوته لأصوات كل من آزرها ، ويذكرها بأنها ستنال شفاعة القرآن الكريم يوم القيامة. (وانظر على سبيل المثال خطاب المرحلة : 2، 5،10، 12، 28 ،45، 46، بيان 2 ، خطاب تهنئة بابا الفاتيكان ، كلمة الشكر لطلبة الدورات السريعة،.....).
5. التدرج في تثقيف الجماهير وإعطائهم استراتيجية العمل على شكل دفعات مرحلية للوصول بهم الى الهدف المأمول دون أن تفقد السلسلة حلقة واحدة : فمثلاً.. نجد في (( خطاب المرحلة 45 )) والذي ألقي في صلاة الجمعة في ساحة الفردوس في وسط بغداد أن سماحته قد أمر المؤمنين بالاحتجاج على فقرات في قانون إدارة العراق للمرحلة الانتقالية تشكل ثغرات كبيرة يمكن أن تكون مفتاحاً للشر كعدم اعتبار الإسلام المصدر الوحيد للتشريع ، وإقرار الفيدرالية ، وحق النقض لثلاث محافظات وغيرها محملاً أعضاء مجلس الحكم هذه الخيانة لدينهم وشعبهم ، داعياً طلبة الجامعات للإضراب ومحركاً الطلبة في مواكب الوعي الحسيني كل ذلك لتتعلم الأمة كيفية الضغط على الحكومة لاسترداد حقوقها المسلوبة بشكل حضاري ومنظم ، ليعود سماحته بعد ذلك في ((خطاب المرحلة 46)) مبيناً للأمة الإنجازات التي ترتبت على تفعيل دور المثقفين وطلبة الجامعات في استجابة عدد من تلك المطالب. (وانظر على سبيل المثال خطاب المرحلة: 18، 40، 47، 53،....).
6. عدم تفويت أي موقف أو حادثة مأساوية دون أن يخاطب الجماهير ويواسيهم ويشد من عزمهم ويرفع معنوياتهم ويعطي الأمل في بيان ما يمكن أن تستفيده الأمة من تلك الحادثة لتحويل الهزيمة الى نصر : فمثلاً .. نجد في ((خطاب المرحلة 17 )) أن سماحته راح يعزي الأمة بمناسبة الحادثة التي أدت الى استشهاد السيد محمد باقر الحكيم وثلة من المؤمنين بالقرب من ضريح أمير المؤمنين ويبين لها المقام الذي حصل عليه هؤلاء النخبة إذ اختارهم الله في يوم عظيم ومكان شريف وهم يؤدون أشرف عبادة وفي ذلك ما يهون الخطب ليجعل من تلك الحادثة نقطة إلتفات ووعي للجماهير لتتوجه الى ما ينبغي أن تفعله لتحول هذه المأساة الى خطوة انطلاق نحو تحقيق الأهداف العظيمة التي ترضي الله تعالى كإلفات النظر الى مضاعفة الهمة والجهد لإعداد جيل من العلماء والمفكرين والقادة ليعوضوا الخسارة فإن العالم إذا مات ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلا عالم مثله، وفي بيان سماحته بمناسبة حادث الاعتداء على مكتب السيد محمد سعيد الحكيم كذلك ليلفت انتباه المرجعيات الدينية الى ضرورة تبني مشروع وحدوي تواجه من خلاله الأخطار والتحديات كالذي وضع آليته سماحته من قبل في فكرة إنشاء (جماعة الفضلاء). (وانظر على سبيل المثال خطاب المرحلة: 17، 27، 31، 32، 34، 39، 41، 47، 48، 64، 67،...).
7. ربط كل العواطف والمشاعر والسلوكيات بصاحب العصر الإمام المهدي عج والصلة بالله تعالى والتمسك بالشريعة: فمثلاً.. نجد سماحته في ((خطاب المرحلة 2)) يقول : ((لقد عانى الشعب العراقي الكريم ما لم يعانه شعب على مدى التأريخ، فقتل منه الملايين ، وسجن وشرد منهم ملايين أخرى ، وما ذلك لنقص فيه وانحطاط على ما أرجو بل لأنه الشعب الذي سيحتضن دولة العدل الإلهي في اليوم الموعود..))، ويطالب الأمة في نفس الخطاب أن تربط كل أعمالها به عج عن طريق تجديد البيعة له قائلاً: (( تجديد البيعة مع إمامنا وولينا بقية الله في أرضه الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) بوضع يدنا اليمنى بيدنا اليسرى لتكون الأولى عن الإمام والثانية عن المبايع، وأن تكون البيعة حقيقية بمعنى أن نطيعه ونعمل كل ما يرضيه ونتجنب ما يسخطه)). (وانظر على سبيل المثال خطاب المرحلة: 7، 9، 10، 11، 22، 52، 65، 66، 67،....).
8. طرح المعارف الإسلامية عالية المضامين ضمن خطاباته مع إشباع تلك الخطابات بالآيات القرآنية: فمثلاً .. نجد في ((خطاب المرحلة 52)) أن سماحته راح يبين جملة من الحقائق في الرجوع الى الله عز وجل ومحاربة النفس لتحقيق النصر ، ثم يقول : ((ولو كان أولئك المتدينون قد أصلحوا أنفسهم قبل إصلاح الآخرين ومارسوا المقدمات المنتجة لصفاء النفس ونور القلب وعمق الإخلاص وقوة الإرادة وعفة الضمير لما عانوا ما عانوا، بل ولعلهم لم يحتاجوا في الحكمة الإلهية الى كل هذا البلاء الذي وقع عليهم ، وإنما كانوا مع شديد الأسف مصداقاً لقوله تعالى :( و إن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) ولم يكونوا مصداقاً لقوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور))) . (وانظر على سبيل المثال خطاب المرحلة: 7، 10، 15، 16، 17، 19،، 24، 21، 22، 25، 34، 37، 43، 46، 50، 53،....).
وأمام كل هذه الميزات وغيرها ، والتي انتزع فيها سماحته القِدْح المعلَّى ، وكان السابق في ميدان قيادة الأمة ، انقسمت الأمة نفسها بشأن قيادته الرائعة تلك الى عدة فئات ، إذا تركنا الغافلين عن واقعهم وما يجري في الساحة جانباً ، فنستطيع أن نذكر منها ثلاثاً على الأقل :
الأولى : فئة حاربته وحاولت تشويه صورته وإسقاطه في أعين الناس .
الثانية : فئة حاولت تغييب جهوده والتعتيم عليها والتفرد بالشهرة والظهور .
الثالثة : فئة اتبعته بالوهج العاطفي والعصبية دون أن تفهم أهدافه وتطلعاته .
(1)
فعلى قاعدة ((إذا طعنك عدوك من الخلف فهذا يعني أنك في الأمام )) شن كثير من أصحاب المصالح وطلاب الدنيا حملة شعواء ضد مرجعية الشيخ اليعقوبي وقيادته ؛ لأنهم وجدوه قد فاقهم في المسير بما لا مجال لهم للحاق به .. وفي ذلك ما يهدد مصالحهم ويدفع الناس الى تركهم والالتفاف حول مرجعيته وقيادته الأصيلة .. فقد تميزت مرجعيته بعدة أمور لم تجتمع في سواه من القيادات الأخرى ، منها :
- التفاف الجماهير حوله ومطالبتها إياه بإعلان قيادته لها حتى راحت الوفود تتقاطر على مكتبه من كل حدب وصوب لتعلن له البيعة .
- العمل المنظم والمدروس بدقة والذي لاتجد فيه موضعاً للتناقض ، خلافا لمعظم تلك القيادات التي راحت تتخبط في آرائها . وأوضح مثال لذلك موقفها المتناقض من مسألة الانتخابات أو التدخل في الشؤون السياسية أو آلية المواجهة مع الاحتلال.
- حاجة الكل إليه وعدم حاجته لأحد .حيث إن معظم تلك القيادات كانت ترجع إليه سراً أو علناً ، كلما وقعت في حيرة من أمرها .
- استقلاليته وعدم رضوخه لأي جهة ، سواءً كانت عربية أو أجنبية ، شيعية أو غير شيعية .
لذا أخذت بعض تلك الجهات تفرغ عقد النقص التي تعاني منها بأشكال متعددة منها التهجم على الشيخ ومحاولة تشويه صورته والتشكيك باجتهاده واتهامه بالخروج عن خط أستاذه الشهيد الصدر (قدس) .
وقد سعى سماحته من خلال عدة أعمال الى مواجهة هذا التيار ومحاولة احتوائه برحمته الأبوية وأخلاقه العظيمة ؛ حيث أمر أتباعه بعدم الرد على تخرصاتهم ، ومد يد الوحدة إليهم رافعاً شعار ((الإسلام محتاجٌ الى جميع أبنائه)) ، مؤكداً على أن الأهم هو ترك الخلاف والتضحية من أجل دين الله تعالى واستقامة أمور المسلمين . وأمر وفود البيعة بالتوقف عن المجيء حرصاً على مشاعر الجهات الأخرى ، ووجه أتباعه نحو التعاون مع جميع الأطراف وتذكر إيجابياتها وعدم التقاطع معها ، وكل هذا تجده في ((خطابه المرحلي )) مع الجماهير تصريحاً لا تلميحاً ليبين لهم أن مواجهة أعداء الإسلام هو الدور الصحيح بدلاً من الالتفات الى تلك الخلافات الجانبية التي تشغل المؤمن عن عدوه الحقيقي .
يقول سماحته في ((خطاب المرحلة 8)): ((أكرر أن قوتنا في وحدتنا ، ولا تتحقق الوحدة إلا برص الصفوف وتجنب الخلاف والعمل سوية في إطار المرجعية الشريفة ، وهذه وصيتي ، فمن كان يحبني فليعمل بها ليكون ذلك أعظم رد توجهونه الى الأعداء الذين يتربصون بكم الدوائر ، عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ، حتى لو استفزكم بعضهم بكلام علي أو عليكم ، وتشويه صورتي ومحاولة تسقيطي في أعين الناس ، فلا تردوا عليهم بالمثل ، ولا تذكروا الجهة التي ترجعون إليها بسوء. ألا يكفيكم في الجواب عليهم قول الإمام : ((كفى بك نصراً على عدوك أن يعصي الله فيك )) ... ألا يكفيكم في رده هذه الوفود المباركة التي جاءت لتعلن عن وعيها وقدرتها الكاملة على التمييز بين الضار والنافع وعدم تأثرها بتلك الأباطيل)) وفي ((خطاب المرحلة 9 )) يقول: ((كما من الضروري التعاون وتوحيد المواقف مع القوى الإسلامية الأخرى العاملة في الساحة وعدم التشنج باتجاهها فإن لها رصيدها في العمل السياسي والجهادي... وإن التقاطع معها مما يضعف الصوت الإسلامي)) وفي ((خطاب المرحلة 10)) يقول: ((لماذا كل هذا الحماس والاندفاع والهمة في تشويه صورتي وتسقيطي في أعين الناس ؟ اسألوهم هل إن هذا لله تعالى؟ سيجيبون بالنفي في داخل نفوسهم وإن لم يعلنوها . إذن هو الخوف على مصالحهم ودنياهم ، وقد ذكرتهم فما ذكروا ووعظتهم فما اتعظوا .. يقولون لكم إن محمد اليعقوبي خرج عن خط السيد الصدر (قدس) فهل استوعبوا هم هذا الخط وفهموه أكثر مني الذي كنت أول من نصره (قدس) في حياته وآخر الناس عهداً به .. وهل هم أكثر فهماً لخط السيد الصدر (قدس) منه نفسه الذي أشار بوضوح الى من هو الجدير بفهم الخط ومواصلته حين قال : (إن المرشح الوحيد بعدي من حوزتنا هو الشيخ محمد اليعقوبي وإني لا أعدل به غيره) هذه هي وصيته (قدس)فالخارج عن الخط من لا يلتزم بها... وإنما علينا جميعاً أن نوحد جهودنا عسى أن يكتب لها النجاح في تحقيق طموحات الأمة ونيلها لحقوقها المشروعة ، وقد بذلت ما لا يبذله غيري وعرضت خدماتي ومن معي في سبيل إنجاح عملهم ، فعليهم أن يتجاوبوا بإخلاص ، وإنما فعلت ما فعلت وتنازلت عما تنازلت إبراءاً لذمتي وإلقاءً للحجة عليهم فإذا كانوا صادقين في الدعوة الى الوحدة فليتركوا هذه التصرفات العدوانية وليعملوا على تجسيدها على أرض الواقع ، وقد بلغني أنهم حاولوا بشدة وبقسوة وبكل الوسائل منعكم من القدوم الى هنا وتأييد من اقتنعتم بإخلاصه لقضيتكم ومعايشته لكم طول فترة المحنة ووقوفه معكم في البأساء والضراء ، ولا أدري ما الذي يغيظهم في ذلك؟ أيريدون أن يخنقوا صوت الأمة ويمنعوها عن التعبير عن إرادتها ألم يكن الجدير بهم أن يعترفوا بحق الأمة في الاختيار والتعاون مع من يختارون بدلاً من هذه الأساليب . وإني أطمانهم مرة أخرى أنني لست بصدد إعلان مرجعية أو ولاية وإن كنت أعلنت أن مراجعتي مبرأة للذمة إن شاء الله تعالى ، حفاظاً على وحدة الكلمة الذي هو أعظم سلاح نوجهه الى الأعداء ، وسأقدم ما أستطيع لإنجاح العمل المخلص للآخرين ، وليتأكدوا أنني عنصر ساند لهم ومؤازر ، ولست منافساً أو مزاحماً ، فليستفيدوا من هذه الفرصة ولا يضيعوها فإنهم مساءلون يوم القيامة عن تصديهم . وهذه الوفود التي تأتي طواعية رغم طلبي المتكرر منها بعدم القدوم .. احتراماً لمشاعر الآخرين وتحسسهم من هذا التأييد، ولكي احميهم من الوقوع في المعصية التي يرتكبونها حين يتحسسون من هذه المسيرات ويتخذون منها مواقف مضادة ، على العكس مني فإني أفرح حين أرى الوفود تأتيهم وتؤيدهم ؛ لأن في ذلك إعلاناً لولاء الأمة لعلمائها وحوزتها بغض النظر عن الأسماء والعناوين ، ولأن هذا الالتفاف الجماهيري حول المرجعية الشريفة والحوزة عموماً هو الذي يجعل الأعداء يهابون العلماء ويحترمونهم ويأخذون بكلامهم)). فأين هذا من هؤلاء؟!! .
(2)
والتقت معظم الجهات – التي اتخذت سماحة الشيخ اليعقوبي عدواً – في الوسائل ، فلكون رصيدها الفكري والقيادي لم يكن كافياً ليقف أمام موج قيادة سماحته الهادر ويكون بديلاً عنه ، راحت تلك الجهات تطلب الظهور والشهرة لجلب الأتباع بطرق إثارة الضجة والضوضاء واتخاذ الأعمال التي لا يخلو معظمها من الإشكالات .. ومن ذلك اتخاذ التجمعات وإثارة الهتافات المثيرة للغرابة التي تلفت انتباه الناس ، أو نشر صور زعمائها وإلصاقها على الجدران والأعمدة الكهربائية والتي يكفي ربع المال المبذول في طبعها وإلصاقها لتزويج عدد كبير من الشباب والفتيات الذين لم يتمكنوا من الزواج لأسباب مادية . وأشد هذه الأعمال رزءاً أن تحولت الزيارات المخصصة لأئمة أهل البيت الى مظاهرات للدعوة الى العناوين والأشخاص ، بحيث ترفع صورهم في مسيرات الزيارة وتتحول الرثائيات الى هتافات خاصة بهم لجلب الانتباه ، كل ذلك تعتيماً على القائد الحقيقي وجلباً للأتباع ، وقد تفطن سماحته الى مثل هذه الأعمال التي ترفضها الشريعة ، فنهى أتباعه منذ وقت مبكر عن تحويل مسيرات زيارات الأئمة الى دعوة للأشخاص ورفض رفع صورته في مثل هذه المواسم ، وراح يُسيَّر مواكب الوعي الحسيني من الطبقة المثقفة والواعية ليضع لهم أسماء مشتقة من أهداف ثورة الإمام الحسين مثل : (الإيمان ، الإخلاص ، المحبة ، السلام ، ......)كما وضح آليات ذلك في ((خطاب المرحلة 40)) ووضع لهم الشعارات ومضامين اللافتات المستوحاة من تلك الأهداف ومن مطالب الأمة في المرحلة الراهنة مثل : (رضا الله رضانا أهل البيت) و (موت في عز خير من حياة في ذل) و(هيهات منا الذلة) , ووو ، وليجعل هتافات الأمة وأناشيدها خاصة بهم اقترح أن تنشد في مثل هذه المواسم قصيدة الشيخ محمد جواد البلاغي ( يا تريب الخد في رمضا الطفوف) ..حرصاً على هذه الشعائر من التميع والانحراف عن الهدف المراد من ورائها.
وبينما خُدعت بعض تلك الجهات التي تطلب الشهرة بالفضائيات التي راحت تنشر أخبارهم لتحقق بذلك مصالحها ، لا مصالحهم كما اعتقدوا ، رفض سماحة الشيخ أن تظهره تلك الفضائيات كي لا يعطيها الفرصة لتحقيق مصالحها راضياً بالتعتيم على أعماله وتغييبها تحقيقاً لرضا الله تعالى ومصلحة الأمة ، يقول سماحته في بيانه الذي صدر في خضم المواجهات الشعبية مع قوات الاحتلال: ((الحذر من مؤامرات الأعداء والتنبه لها ، ومن ذلك ما تفعله الفضائيات في توجيه الأحداث بالاتجاه الذي يخدم مصالحها بالكذب والتزييف والمبالغة والتهويل ؛ ولذلك امتنعت عن مقابلة أي منها خلال الأحداث الأخيرة ؛ لأنني أعلم أنها ستقطّع اللقاء وتعرضه بالشكل الذي ينفذ سياستها ، ولو أن في هذا الغياب تعتيماً على الجهد الذي أبذله ، إلا أنني أضحي به من أجل رضا الله تبارك وتعالى ومصلحة أمتي)) .
(3)
لقد روى التاريخ لنا عن حادثة وقعت في زمن أحد الخلفاء ، وهي أنه قد وشي بأحدهم عند الخليفة ، فأرسل له أحد أصحابه ممن علم بالأمر رسالة لم يكتب فيها سوى عبارة : ((يا موسى)) كيلا ينكشف أمره، وحين وصلت الى ذلك الرجل الذي وشي به عند الخليفة ، خرج هارباً من بيته قبل أن يقبض عليه جند الخليفة ، وحين سئل بعد ذلك عن كيفية فهم ما كان يراد به ، قال : حين قرأت عبارة: ((يا موسى)) فهمت منها قوله تعالى : (يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين)، فعرفت المقصد وهربت .
إن الذي دفعني الى ذكر هذه القصة هو محاولة التحدث عما يجب أن يكون عليه الإنسان الرسالي الواعي عند وصول خطاب قائده ومرجعه له ، بحيث يقرأ ما بين السطور – كما يعبرون –
ورغم أن سماحة الشيخ لم يكن ليخاطب الجماهير بهذه الطريقة الرمزية ، إلا إن أكثر الجماهير لم تكن تحمل إلا همومها الشخصية الجزئية ، وذلك الوهج العاطفي الذي يزيله أدنى تغير في الظروف أو تقلب في الأحوال و((في تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال))(5) ، فلم تكن الجماهير لتفهم ما يريده ذلك القائد في خطاباته المرحلية والذي يتطلع الى بناء مجتمع إسلامي رسالي قوي وواعٍ يستطيع نشر العدل في أرجاء المعمورة والتمهيد لدولة الحق العالمية .. لذا لم يكن سماحته راضياً بما تحقق ، لأنه لا يمثل الأقل من طموحه الذي يسعى إليه ، إن ما تحقق لا يمثل الشيخ اليعقوبي.
يقول سماحته في ((خطاب المرحلة 65 )): ((قد أثبتت المدة الماضية بعد سقوط صدام اللعين بما تضمنت من امتحانات فشل الأمة في اجتيازها، حيث ظهر الجهل والسذاجة والتعصب واتباع العاطفة والانفعالية في التصرفات وعدم الاهتداء الى القيادة الحقيقية بحيث ضاعت حتى أوضح المقاييس للتقييم، كما إن إتاحة الفرصة لتسنم الكثير من المواقع الدينية والاجتماعية والسياسية والإدارية أظهرت الأمراض المعنوية التي كانت كامنة في النفس ولم تظهر من قبل لا لأنها غير موجودة وإن صاحبها قد تخلص منها، بل لأن موضوعها لم يتحقق ولم توجد فرصة لإبرازها، فلما سنحت هذه الفرصة ظهر التحاسد والتباغض والأنانية والاستئثار والاستكبار والتقاطع الى حد ارتكاب أعظم المعاصي التي وعد الله تبارك وتعالى فاعلها النار، فصرنا نرى أئمة جمعات يسقطون في وحل الكذب والافتراء وتسقيط المؤمنين وتشويه سمعتهم . والإسلاميون الذين سعوا منذ عشرات السنين لكي يحكم الإسلام، لما وصلوا الى المناصب لم نرَ للإسلام أثراً في عملهم ولم يجعلوا مناصبهم وسيلة لبسط العدل ومساعدة المحرومين ورفع الظلم والقضاء على الفساد، بل وقعوا في الأخطاء نفسها ولم يكن لهم هم إلا التشبث بالكراسي . وتساقطت رموز كبيرة بسبب سوء التصرف وطاعة الهوى والغفلة عن الله تبارك وتعالى، فابتليت الأمة بتخبط وتلوّن واضطراب، وكادت الفتن أن تطيح بكيانها العتيد الذي بناه الأئمة المعصومون والعلماء الصالحون بدمائهم وجهدهم وجهادهم وتضحياتهم، لولا أن تداركها اللطف الإلهي وبركة وجود ثلة صالحة واعية ثبتت أوتاد وكيان الحق وحفظته من الانهيار بعد أن كاد يقع. هذه الدروس القاسية التي خرجنا بها هي – يا أحبتي – ما علينا أن نتعلمه في هذه المرحلة وندرسه بعمق لنتوصل الى العلاج الشافي الذي يزيل العوائق عن طريق الإمام )).
ويقول سماحته في ((خطاب المرحلة 52)): ((إن نصرنا الحقيقي حينما نستطيع سحق أهوائنا وأنانياتنا ونزيل الغل والحقد والكراهية وحب الدنيا بكل أشكالها – وأخطرها حب الرئاسة والتسلط وتصفيق الجماهير – والحسد والرياء والعجب والتكبر والعنجهية والاستعلاء وغيرها من الرذائل، ونملأ قلوبنا بالحب والرحمة والشفقة والعفو والصفح والتآلف والمودة والصبر وكظم الغيظ وغيرها من الفضائل. هذه هي وصايا أهل البيت وهذه هي تربيتهم .. حتى حينما كان يظن شيعتهم أن الفرصة قد حانت وإن الثمرة قد آن قطافها ، كانوا دائماً يذهبون في الاتجاه الآخر غير الذي يفكر به الآخرون مهما قربوا من الإمام : وهو اتجاه محاسبة النفس ومراقبتها وعرضها على الميزان الذي نصبه أهل البيت)).
لكن لم يخل الأمر من ((ثلة صالحة واعية ثبتت أوتاد وكيان الحق وحفظته من الانهيار بعد أن كاد يقع)) ، قد فهمت الجزء الأكبر من تطلعات قيادتها الرشيدة وسعت دون أن تطلب عنواناً الى تحقيق ما تستطيعه من الأهداف وكانت بمثابة (الجندي المجهول) في تحركاتها ومواقفها الحركية في عملية البناء . ولكن ماذا تفعل تلك (الثلة) أمام هذه المهام الكبرى ، ومع هذه الجبهات المتعددة التي تعرقل عملها؟!
هذا هو موقف سماحة الشيخ اليعقوبي من الأمة ، وموقف الأمة منه ...
ورغم كل هذه المعوقات والموانع فقد سعى سماحته الى البناء دون أن يأخذ بعزمه اليأس أو يطيح بهمته القنوط .. البناء بكل أبعاده وآفاقه وآلياته .
ومن هذا المنطلق نستطيع أن نبدأ دراسة مشروع البناء عند سماحة الشيخ اليعقوبي في خطاباته المرحلية بشكل سريع عبر مستوياته الأربع التالية :
- بناء الإنسان الرسالي .
- بناء الحركة الرسالية ( المجموعة الصالحة ) .
- بناء المجتمع الرسالي ( الثورة الإسلامية ) .
- بناء الحضارة الإسلامية ( دولة العدل الإلهية العالمية ).
ولكن لضيق المقام نسلط الضوء في هذه الدراسة على المستوى الأول من البناء في مشروع سماحة آية الله الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) ونرجأ بقية المستويات الى دراسات أخرى إن بقيت الحياة وشاء الله ذلك ، أما لو تعذر فنربأ بالأخوة المؤمنين الرساليين أن يتلقفوا الراية ويجهدوا أنفسهم ليكشفوا للأمة المسلمة عن قادتها الشرعيين وفاءً منهم لدين الله تبارك وتعالى فهو واجب شرعي نستمده من الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء وكفى بهذا التأسي زلفى.
بناء الإنسان الرسالي
ويمكن تناول هذا المحور بعدة فصول بالشكل التالي:
الفصل الأول: المعالم الصحيحة للإنسان الرسالي.
نتناول فيه :
ركيزتي بناء الإنسان الرسالي:
· بيان وتوضيح المعالم الصحيحة للإنسان الرسالي.
· تجسيد تلك المعالم وترسيخها عبر التثقيف والتربية التصحيحية.
· المعالم الصحيحة للشخصية الرسالية.
· وجود الهدف السامي.
· رفع موانع الوصول.
· تحقيق شرط وجود روح التحدي.
الفصل الثاني: بناء الإنسان الرسالي الثائر (بناء القاعدة المؤمنة)
ونتناول فيه أهم أسس البناء الثوري:
· معرفة تأثير فعل الإنسان على الكون.
· وعي المشروع الحضاري الخالد.
· الإيمان بأصالة الإنسان وخلافته في الأرض.
الفصل الثالث: بناء الإنسان الرسالي القيادي (بناء الكوادر القيادية أو القيادة الوسطية)
ويتناول الفصول عدة مواضيع هي:
· بين العلم والتقوى.
· المكونات الذاتية للقائد الرسالي الناجح.
· تغيير محور المجتمع نحو العلم والتقوى.
ويشمل عشرة واجبات تقع على عاتق الحوزة لتنهض بهذا المشروع.
الفصل الرابع: آليات بناء الإنسان الرسالي عند سماحة الشيخ اليعقوبي.
الفصل الأول
المعالم الصحيحة للإنسان الرسالي
تتباين الأهداف وتختلف الرؤى في المشاريع والأعمال التي يطرحها القادة السياسيون، بل والحوزويون أحياناً وغيرهم، لا سيما الذين يفكرون في إنشاء دولة فاضلة يعمها العدل ويحرسها القانون، فضلاً عمن يسعون الى تحقيق مصالحهم الشخصية .
إلا إن كل تلك الرؤى والأهداف تتضاءل وتذوب أمام الهدف الحقيقي الذي من أجله بعث الله تعالى أفضل خلقه وصفوة عباده، كأعظم قادة في التأريخ – وهم الأنبياء – وقدموا كل تلك التضحيات في سبيل تحقيقه والوصول إليه .. وذلك الهدف هو : ((صنع الإنسان)) .
إن القرآن – كما يقولون – لم يكن له من هم في كل آياته العظيمات سوى هذا الهدف النبيل : صنع الإنسان وإيصاله الى كماله المنشود. وفي خضم الأحداث والسعي الى الأهداف المنوعة، تغيب هذه القيمة العظيمة عن قلوب وإدراكات القادة الذين لا يتسمون بالأصالة والكفاءة تماماً... لتضحي اهتماماتهم أموراً جانبية لا تمس هذا الهدف بطرف.. إن لم نقل إن تلك الاهتمامات تسحق إنسانية الإنسان وقيمه وأخلاقه كما هو المتكرر دائماً .
لكن القائد الأصيل والكفوء يلتفت الى هذه الحقيقة لأنها نصب عينيه، ويشير إليها ويضعها في أولويات عمله .. يقول سماحة الشيخ اليعقوبي في ((خطاب المرحلة 3)) :
((إن مما يؤسف له انشغال الأمة – وحتى الحوزة – بالهم السياسي فقط ، والاندفاع لتحصيل مكاسب سياسية، وانصبت المحاضرات والخطب والكلمات على هذا الاتجاه، رغم أن بناء شخصية المسلم والمحافظة على سلوكه وإصلاح المجتمع أهم وأولى .
وقد تحصل مكاسب سياسية بمقدار معين وبآخر . ولكن يبقى الهدف الرئيسي للحوزة هو هذا.. أعني هداية البشر ومساعدتهم على تكميل نفوسهم ، وهذا ما استفدناه من الأئمة المعصومين فلم يكونوا يهتمون بالمواقع الدنيوية، سواء حصلت في حالة توفر ظروفها الموضوعية، أم لم تحصل . لكن الواقع الآن هو العكس ؛ فلا أحد فكّر في إنشاء مراكز ثقافية أو حوزات علمية في مختلف المدن أو رابطة للمرأة المسلمة، تعمل على تثقيف النساء وتعليمهن، أو جمعيات خيرية. بل انحسر عدد المصلين في المساجد وترك أئمة المساجد خطبهم ومحاضراتهم ودروسهم إلا ما ندر، وهذه هي الهزيمة الحقيقية التي اُستُدرجنا إليها ونحن ما زلنا في أول الأزمة ، فكيف ستكون النهاية ؟ )) .
إن الإنسان الرسالي – وهو اللبنة الأساسية في صنع التغيير وبناء الأمة وتحقيق الأهداف التي خلق من أجلها العالم – يتميز بمجموعة صفات، ويحمل مجموعة أهداف تتكون من خلالها شخصيته الباطنية التي هي الجانب الأهم في بنائه .. ولكي نصل الى صنع ذلك الفرد لا بد من الالتفات الى أمرين مهمين يشكلان الركيزتين الأساسيتين في ذلك هما :
1. بيان وتوضيح المعالم الصحيحة للإنسان الرسالي :
فإن الفرد – اليوم – يحمل مفاهيم خاطئة في اعتقاداته وسلوكه ، وقيماً زائفة يتصور أنها صحيحة ، بل ويدافع عنها ويستميت من أجل إثباتها والاعتقاد بصحتها بما يسميه الفلاسفة بالجهل المركب. والحقيقة إننا نحتاج الى ثورة في تصحيح المفاهيم على غرار ما قام به النبي القائد وأهل بيته من قبل . فمفهوم الشجاعة مثلاً هو – عند الأعم الأغلب – عبارة عن العنف وإبراز العضلات كما تعلمنا إياه وسائل الإعلام وأفلام (الأكشن) في جاهليتنا اليوم ، وهو ذات المفهوم الذي كان يحمله القوم إبان الجاهلية الأولى ، لكن النبي القائد – على ما يروى – صحح هذا المفهوم حين سأل قوماً يتصارعون : ما الشديد عندكم؟ قالوا : الصرعة !! فقال عندئذٍ : ليس الشديد بالصرعة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب(5) . أو قوله : أشجع الناس من غلب هواه(6) . وكذا فإن مجتمعاتنا التي تعيش جاهلية اليوم تستنكر من يمارس الزنى علناً وتتخذ منه موقفاً وهذا جيد في نفسه، لكنها لا تأبه بمن يستغيب الناس ويذكرهم بالسوء، بل تعد الغيبة فاكهة المجالس، وهذا ما صححه النبي القائد للقوم حين قال : ((إن الغيبة أشدُّ من ثلاثين زنية))(7) . بل إن ثورة الحسين لم تقم إلا من أجل تصحيح المفاهيم وإعادة الناس الى الإسلام الأصيل الذي شوهه من سطوا على كرسي الخلافة من بني أمية .
وقد بين سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) هذه الركيزة في ((خطاب المرحلة 30 )) مركزاً على أتباعه من جهة أخص ، وعلى الأمة عموماً، من خلال بيان أحد أوجه نشاط الإمام الصادق حيث قال :
((بيان وتوضيح المعالم الصحيحة لشخصية المسلم بعد أن مسخها الحكام الظلمة بما كانوا يصورون للأمة من جوانب مخزية لشخصيتهم ، وبما كانوا ينشئون في حياة المجتمع الإسلامي من واقع فاسد من فسق وفجور وخيانة وجور وانكباب على الدنيا وتقاتل من أجلها، وولع بالخمر وعدوان على أهل الحق، وكان وعاظ السلاطين السائرون في ركابهم يرقعون لهم هذه المخازي بضلالاتهم، فضاعت الصورة الحقيقية للمسلم، خصوصاً عند الأقوام التي دخلت الإسلام جديداً وليس لهم عمق تأريخي فيه، وحرموا من التعرف على أئمتهم الحقيقيين ، فنهض الإمام بمسؤولية هذا التعريف ، وكان يركز اهتمامه أكثر على شيعته باعتبارهم طليعة هذه الأمة التي عرفت الحق واتبعته، فتكون المسؤولية عليهم أكبر . قال : (فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه وأدى للناس الأمانة وحسُن خلقه معهم وقيل هذا شيعي يسرني ذلك، ويدخل عليّ منه السرور. ومن كان غير ذلك دخل عليّ بلاؤه وعاره ) وقال : (والله ما شيعة علي إلا من عف بطنه وفرجه وعمل لخالقه ورجا ثوابه وخاف عقابه) ... وقال : أوصيكم بتقوى الله وأداء الأمانة لمن ائتمنكم وحسن الصحبة لمن صحبتموه وأن تكونوا لنا دعاة صامتين) ولما سأله أحدهم مستغرباً : يا بن رسول الله كيف ندعو الى الله ونحن صامتون؟ فقال : تعملون بما أمرناكم به من طاعة الله وتعاملون الناس بالصدق والعدل وتؤدون الأمانة وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ولا يطلع الناس منكم إلا على خير فإذا رأوا ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فعادوا إليه)).
ومن ذلك ((التصدي لتصحيح التصرفات المنحرفة التي تنشأ عن الجهل ، فمنها ما روي عن الإمام الصادق أنه قال : قوله عز وجل ((اهْدِنا الصَّراطَ المُستَقيمَ) يقول أرشدنا للزوم الطريق المؤدي الى محبتك والمبلغ الى جنتك من أن نتبع أهوائنا فنعطب ونأخذ بآرائنا فنهلك فإن من اتبع أهوائه وأعجب برأيه كان كرجل سمعتُ غثاء الناس تعظمه وتصفه، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره ومحله، فرأيته في موضع وقد أحدق به جماعة من غثاء العامة فوقفت منتبذاً عنهم متغشياً بلثام انظر إليه وإليهم، فما زال يراوغهم حتى خالف طريقهم وفارقهم) الى أن يقول ( فلم يلبث أن مر بخبازٍ فتغفله فأخذ من عنده رغيفين مسارقة، ثم مر بعده بصاحب رمان فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة ، ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه) فسأله الإمام عن سر فعله هذا فاتهمه بجهله بالقرآن يقول الإمام قلت : وما الذي جهلت؟ قال : قول الله عز وجل ((من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) وإني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين فهذه أربع سيئات فلما تصدقت بكل واحدة منها كانت أربعين حسنة، انقص من أربعين حسنة أربع سيئات بقي ست وثلاثون، قلت : ثكلتك أمك أنت الجاهل بكتاب الله ! أما سمعت قول الله عز وجل :(إنما يتقبل الله من المتقين) إنك لما سرقت رغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين ولما دفعتهما من غير رضا صاحبها كنت إنما أضفت أربع سيئات الى أربع سيئات ولم تضف أربعين حسنة الى أربع سيئات . فجعل يلاحيني فانصرفت عنه وتركته) .
وكم يوجد مثل هذا الرجل في زماننا وكل زمان حيث يقومون بأفعال يظنون أنها تقربهم الى الله تعالى وهي لا تزيدهم منه إلا بعداً أو يحرصون على فعل المستحبات ويتركون الواجبات كالذي ينفق ماله في إقامة الولائم على حب أهل البيت وهو لا يدفع ما بذمته من الحقوق الشرعية وهو بذلك يسرق حقوق مستحقيها)).
2. تجسيد تلك المعالم وترسيخها عبر التثقيف والتربية التصحيحية :
سؤال يشغل التواقين الى الأخذ بأسباب التحضر ، ما هي الثقافة؟؟ والجواب على هذا السؤال استراتيجي بمكان بحيث يضع الإنسان في الإحداثيات الصحيحة للتطلع نحو المستقبل الناجح .
وقد تباينت الحدود والتعريفات لهذا المفهوم ، لذا لا بد لنا في بداية مشروع البناء من الحصول على الجواب الدقيق . فما هي الثقافة ؟؟ وفي مقام الجواب نقول:
((الثقافة : هي كل معرفة تؤثر في اعتقاد الإنسان وسلوكه .))
من هنا يمكننا الخروج بعدة أمور أهمها :
1. إن الثقافة هي خصوص المعرفة التي تؤدي الى إحداث تغيير في اعتقاد الإنسان وسلوكه نحو الحياة والكون والوجود ، لهذا لا يمكن عد علوم كثيرة أنها ثقافة ، كالطب والهندسة والفيزياء وعلم الأرض وأمثالها إلا إذا اتحدت بهذا الملاك.
2. إن الثقافة الإسلامية هي التزود بالمعرفة المستخلصة من القرآن والسنة بحيث تؤدي الى تغيير الاعتقاد والسلوك وفق منهجيهما لذا لا يكفي أن يدعي المتسمي بـ(المثقف الإسلامي) أو (رجل الدين) هذه العناوين أو أن يرتدي (الزي الديني) بل لا بد أن تتجسد فيه تلك المعرفة فكراً وسلوكاً .
3. إن هناك فرقاً بين الإسلام والمسلمين ، فغالبية المسلمين يحملون الثقافة الغربية المادية في اعتقاداتهم وسلوكياتهم وإن تسموا باسم الإسلام ، فثقافة المسلمين ليست هي ثقافة الإسلام على صعيد الواقع بل هي إن تحرينا الواقع : الثقافة الجاهلية بعينها.
فكلنا نعلم أن تربيتنا وثقافتنا التي نحملها اليوم هي وليدة ونتاج عدة مراحل مر بها الفرد في حياته ، وهي محصلة صياغة من قبل عدة قنوات صبت مجتمعة لتخرج بنا بهذه الحالة التي نحن عليها الآن . وكل تلك القنوات مصدرها الاستعمار أو مخلفاته من تربية الأبوين غير المثقفين بالثقافة الإسلامية ، الى المناهج الدراسية التي صاغها أذناب المستعمرين الى غيرها من القنوات . يقول سماحة الشيخ اليعقوبي في ((خطا%C |